فخر الدين الرازي
46
تفسير الرازي
الأزيد والأنقص ، لا بد وأن يكون بمخصص ، فثبت أنه لا بد للسماء من بان : فإن قيل لم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى خلق شيئاً وأعطاه قدرة يتمكن ذلك المخلوق بتلك القدرة من خلق الأجسام فيكون خالق السماء وبانيها هو ذلك الشيء ؟ الجواب : من العلماء من قال : المعلوم بالعقل أنه لا بد للسماء من محدث وأنه لا بد من الانتهاء آخر الأمر إلى قديم والإله قديم واجب الوجود لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى ، فأما نفي الواسطة فإنما يعلم بالسمع فقوله في هذه الآية : * ( بناها ) * يدل على أن باني السماء هو الله لا غيره ، ومنهم من قال بل العقل يدل على بطلانه لأنه لما ثبت أن كل ما عداه محدث ثبت أنه قادر لا موجب ، والذي كان مقدوراً له إنما صح كونه مقدوراً له بكونه ممكناً ، فإنك لو رفعت الإمكان بقي الوجوب أو الامتناع وهما يحيلان المقدورية ، وإذا كان ما لأجله صح في البعض أن يكون مقدوراً لله وهو الإمكان والإمكان عام في الممكنات وجب أن يحصل في كل الممكنات صحة أن تكون مقدورة لله تعالى ، وإذا ثبت ذلك ونسبة قدرته إلى الكل على السوية وجب أن يكون قادراً على الكل ، وإذا ثبت أن الله قادر على الممكنات فلو قدرنا قادراً آخر قدر على بعض الممكنات ، لزم وقوع مقدور واحد بين قادرين من جهة واحدة ، وذلك محال ، لأنه إما أن يقع بأحدهما دون الآخر وهو محال ، لأنهما لما كانا مستقلين بالاقتضاء فليس وقوعه بهذا أولى من وقوعه بذاك أو بهما معاً ، وهو أيضاً محال لأنه يستغني بكل واحد منهما عن كل واحد منهما ، فيكون محتاجاً إليهما معاً وغنياً عنهما معاً وهو محال ، فثبت بهذا أنه لا يمكن وقوع ممكن آخر بسبب آخر سوى قدرة الله تعالى ، وهذا الكلام جيد ، لكن على قول من لا يثبت في الوجود مؤثراً سوى الواحد ، فهذا جملة ما في هذا الباب . واعلم أنه تعالى لما بين في السماء أنه بناها ، بين بعد ذلك أنه كيف بناها ، وشرح تلك الكيفية من وجوه : * ( رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ) * . أولها : ما يتعلق بالمكان ، فقال تعالى : * ( رفع سمكها ) * . واعلم أن امتداد الشيء إذا أخذ من أعلاه إلى أسفله سمي عمقاً ، وإذا أخذ من أسفله إلى أعلاه سمي سمكاً ، فالمراد برفع سمكها شدة علوها حتى ذكروا أن ما بين الأرض وبينها مسيرة خمسمائة عام ، و ( قد ) بين أصحاب الهيئة مقادير الأجرام الفلكية وأبعاد ما بين كل واحد منها وبين الأرض . وقال آخرون : بل المراد : رفع سمكها من غير عمد . وذلك مما لا يصح إلا من الله تعالى . الصفة الثانية : قوله تعالى : * ( فسواها ) * وفيه وجهان الأول : المراد تسوية تأليفها ، وقيل : بل المراد نفي الشقوق عنها ، كقوله : * ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ) * ( الملك : 3 ) والقائلون بالقول الأول قالوا : * ( فسواها ) * عام فلا يجوز تخصيصه بالتسوية في بعض الأشياء ، ثم قال هذا يدل على كون